تكتب فكرة مشروع صغير، وتسأل برنامج المحادثة: «ما رأيك؟»، فيجيب: «فكرة رائعة!»
ترسل إليه مسودة رسالة عمل وتسأله: «أليست واضحة؟»، فيقول: «نعم، واضحة وممتازة».
تعرض عليه نصًا كتبته على عجل، فيمدحه بحرارة.
يعطيك إجابة صحيحة، فتقول له: «لا، أنت مخطئ»، فيعتذر ويغيّرها.
هذا السلوك له اسم: التملّق (Sycophancy)، أي ميل النموذج إلى موافقتك ومدحك، حتى حين تكون مخطئًا. وهذا موضوع هذا الدرس.
في هذا الدرس
كيف يظهر التملّق في استخدامك اليومي؟
تخيّل بائعًا في محل ملابس، كلما جرّبت قطعة قال لك: «تليق بك!». قد يكون صادقًا أحيانًا، لكنك لا تعرف متى. فرأيه لا يساعدك على الاختيار:
والنموذج المتملّق يشبه هذا البائع. ويظهر ذلك في أربع صور:
- مدح فكرة ضعيفة: تعرض عليه خطة مشروع صغير في الرياض، فيقول «فكرة ممتازة»، دون أن يسألك عن الميزانية أو المنافسين أو العملاء.
- الموافقة على الرأي المخفي في سؤالك: تسأله «ألا ترى أن هذا القرار صحيح؟»، فيوافقك لأنك أظهرت رأيك. ولو سألته «ما رأيك في هذا القرار؟» فقد يجيب إجابة مختلفة.
- التراجع عن إجابة صحيحة: يجيب إجابة صحيحة، فتعترض، فيغيّرها ليوافقك، حتى لو كنت أنت المخطئ.
- المبالغة في المدح: تطلب رأيه في نص كتبته، فيبدأ بـ«أسلوبك رائع» قبل أن يذكر أي ملاحظة.
وهذا لا يعني أن كل مدح منه كاذب. لكنه يعني أن الموافقة قد تأتي لأنها الإجابة التي ترضيك، لا لأنها الإجابة الصحيحة.
سؤال سريع
سألت البرنامج: «أليست هذه أفضل طريقة لتنظيم ميزانية البيت؟» فوافقك. هل هذا تقييم لطريقتك؟
أظهر الإجابة
ليس بالضرورة. أظهرت رأيك في السؤال، فقد يكون وافقك لأنك تريد الموافقة. اسأله بدلًا من ذلك: «ما عيوب هذه الطريقة؟»
لماذا تعلّم النموذج أن يوافقك؟
تذكّر من درس «ما النموذج اللغوي؟» أن تدريب النموذج يمر بمرحلتين. وفي المرحلة الثانية، يكتب النموذج إجابات، ويختار أشخاص أيّها أفضل، فيتعلّم النموذج أن يكتب ما يشبه الإجابات المختارة.
والمشكلة أن الناس، بطبيعتهم، يميلون إلى الإجابة اللطيفة التي توافقهم وتريحهم. فإذا اختاروها كثيرًا، تعلّم النموذج أن الموافقة «إجابة جيدة».
- ما يتعلّمه: أن يكتب ما يرضيك، لا أن يفحص فكرتك ويحكم عليها.
- الشركات تعمل على تقليله: والنماذج الأحدث أقل تملّقًا من القديمة، لكنه ما زال موجودًا.
- يختلف من برنامج إلى آخر: بعضها أقل تملّقًا من غيره، فلا تفترض أن برنامجك خالٍ منه.
قصة حقيقية: تحديث سُحب لأنه بالغ في المجاملة
في أبريل 2025، أصدرت شركة OpenAI تحديثًا لنموذج ChatGPT. وخلال أيام، لاحظ المستخدمون أنه صار يمدح أي فكرة تقريبًا، حتى الأفكار الضعيفة أو الخطرة، ويوافق على كل ما يقولونه.
فاعترف رئيس الشركة بالمشكلة، وسحبت الشركة التحديث بعد أيام قليلة، وأعادت النسخة السابقة. وشرحت السبب: أضافت إلى التدريب تقييمات المستخدمين بزر الإعجاب (👍)، والناس يعطون الإعجاب غالبًا للإجابة التي توافقهم، فمال النموذج إلى المجاملة أكثر.
سؤال سريع
هل يوافقك النموذج لأنه فحص فكرتك واقتنع بها؟
أظهر الإجابة
ليس بالضرورة. قد يوافقك لأنه تعلّم من التدريب أن الموافقة ترضي الناس، لا لأنه وجد فكرتك صحيحة.
لماذا يهمّك هذا؟
الموافقة شعور مريح، لكنها قد تكلّفك كثيرًا:
- في قراراتك: صاحب مشروع يسأل عن فكرته فيُمدح، فيمضي بثقة في طريق لم يفحصه أحد. وكذلك في قرار مالي، أو قلق صحي تريد أن تطمئن عليه.
- في تعلّمك: طالب يكتب حلًا خاطئًا ويسأل «أليس صحيحًا؟»، فيوافقه البرنامج، فيحفظ الخطأ وهو مطمئن.
- في ثقتك برأيك: حين يوافقك البرنامج في كل مرة، تزداد ثقتك برأيك دون سبب حقيقي، فكأنك تسأل نفسك وتسمع صدى صوتك.
وتذكّر ما رأيته في درس «لماذا يجيب بثقة وهو مخطئ؟»: سؤاله «هل أنت متأكد؟» ليس تحققًا. وكذلك موافقته ليست تحققًا.
سؤال سريع
طالب كتب حلًا لمسألة، وسأل البرنامج «أليس صحيحًا؟» فقال «نعم». ما الخطر هنا؟
أظهر الإجابة
إن كان الحل خاطئًا، فسيحفظ الطالب الخطأ وهو مطمئن. كان الأفضل أن يسأل: «أين الخطأ في هذا الحل، إن وُجد؟»
كيف تحصل منه على رأي صريح؟
الحل ليس أن تترك البرنامج، بل أن تغيّر طريقة سؤالك:
- لا تُظهر رأيك في السؤال: بدل «ألا تعتقد أن خطتي جيدة؟»، اسأل: «ما رأيك في هذه الخطة؟» أو «ما نقاط ضعفها؟».
- اطلب العيوب أولًا: «اذكر ثلاثة أسباب قد تجعل هذه الفكرة تفشل».
- اطلب رأيه كمختص أو مدير صارم: «تخيّل أنك مختص في التسويق، ما أضعف ما في هذه الخطة؟»، أو «تخيّل أنك مدير صارم، ما الذي سترفضه في هذه الرسالة؟».
- انسب الفكرة إلى غيرك: «زميلي كتب هذا، ما رأيك فيه؟». فحين لا يعرف أنها فكرتك، يقل ميله إلى إرضائك.
- لا تضغط عليه ليغيّر إجابته: إذا اعترضت فغيّرها، فلا تعدّ ذلك دليلًا على أنك محق. تحقق من مصدر آخر.
هذه الطرق لا تضمن رأيًا صريحًا دائمًا، لكنها تقلّل المجاملة كثيرًا.
مثال حقيقي جرّبته
أجريتُ هذه التجربة في أكتوبر 2026. سألتُ ChatGPT عن الفكرة نفسها بصيغتين، كل صيغة في محادثة جديدة:
- «أريد أن أفتح متجرًا صغيرًا لبيع الهدايا في الرياض. أليست فكرة ممتازة؟» فبدأ إجابته بـ«نعم، أرى أنها فكرة جميلة ولديها فرصة جيدة للنجاح». وافقني أولًا، ثم ذكر بعد ذلك أن المنافسة والإيجار قد يجعلان المشروع غير مربح.
- «صديقي يريد أن يفتح متجرًا صغيرًا لبيع الهدايا في الرياض. ما أكبر ثلاث مشكلات قد تواجهه؟» فبدأ مباشرة بالمشكلات: المنافسة القوية، وارتفاع الإيجار والمخزون، وتقلّب الطلب بين المواسم. ولم يمدح الفكرة.
الفكرة واحدة، والمعلومات متقاربة، لكن أول ما قرأته اختلف: في الصيغة الأولى «نعم»، وفي الثانية «المشكلات». وكثير من الناس يقرؤون أول الإجابة ويكتفون به. وجرّبتُ السؤال الثاني في DeepSeek أيضًا، فذكر المشكلات نفسها تقريبًا.
ولاحظ أن ChatGPT لم يكتفِ بالمدح في الصيغة الأولى، وهذا تحسّن في البرامج الحديثة. لكن الموافقة ما زالت تأتي أولًا حين تُظهر رأيك.
سؤال سريع
أيّ السؤالين يعطيك رأيًا أصرح في خطة مشروعك: «أليست خطتي ممتازة؟» أم «زميلي كتب هذه الخطة، ما أكبر ثلاث مشكلات فيها؟»
أظهر الإجابة
السؤال الثاني. لا يُظهر رأيك، ولا يعرف البرنامج أنها خطتك، ويطلب العيوب صراحة.
جرّبه الآن
افتح برنامج محادثة، مثل ChatGPT أو DeepSeek أو Claude، وجرّب الفكرة نفسها بسؤالين، كل سؤال في محادثة جديدة:
أريد أن أفتح متجرًا صغيرًا لبيع الهدايا في الدوحة. أليست فكرة ممتازة؟
صديقي يريد أن يفتح متجرًا صغيرًا لبيع الهدايا في الدوحة. ما أكبر ثلاث مشكلات قد تواجهه؟
ماذا تلاحظ؟ قارن بين الإجابتين: أيّهما مدح أكثر؟ وأيّهما ذكر مشكلات حقيقية، كالإيجار والمنافسة والمواسم؟
كيف تطبّق هذا؟
- قبل أن تسأل عن رأيه، احذف رأيك أنت من السؤال.
- اطلب العيوب قبل المزايا، خاصة في القرارات المهمة.
- إذا وافقك، اسأله: «لماذا؟ وما الذي قد يجعلني مخطئًا؟».
- إذا غيّر إجابته بعد اعتراضك، فارجع إلى مصدر آخر، ولا تعدّ تراجعه دليلًا.
- في القرارات الكبيرة، اسأل شخصًا يعرف المجال، ولا تكتفِ بموافقة البرنامج.
الخلاصة
- التملّق (Sycophancy) ميل النموذج إلى موافقتك ومدحك، والتراجع عن الصواب إذا اعترضت.
- سببه أن الناس يفضّلون الإجابة الموافقة، فتعلّم النموذج منهم ذلك. والشركات تقلّله، لكنه ما زال موجودًا.
- لتحصل على رأي صريح: لا تُظهر رأيك، واطلب العيوب أولًا، ولا تعدّ موافقته أو تراجعه دليلًا.
اختبر نفسك
1. عرضت على البرنامج فكرة مشروع، فقال: «فكرة رائعة!» دون أي ملاحظة. ما الاستنتاج الأدق؟
أ) الفكرة ناجحة بالتأكيد.
ب) قد يكون مدحه مجاملة، فاطلب منه العيوب.
ج) البرنامج لم يفهم الفكرة.
د) البرنامج لا يستطيع تقييم الأفكار أبدًا.
2. أعطاك البرنامج إجابة، فقلت «أنت مخطئ»، فاعتذر وغيّرها. ماذا يعني هذا؟
أ) أنك كنت محقًا.
ب) أن الإجابة الأولى كانت خاطئة.
ج) لا يعني شيئًا مؤكدًا، فقد يكون تراجع ليوافقك، فتحقق من مصدر آخر.
د) أن البرنامج معطل.
3. تريد رأيًا صريحًا في رسالة مهمة كتبتها لمديرك. أيّ سؤال أفضل؟
أ) «أليست رسالتي ممتازة؟»
ب) «هل أعجبتك رسالتي؟»
ج) «تخيّل أنك المدير، ما الذي قد يزعجك في هذه الرسالة؟»
د) «امدح رسالتي.»
أظهر الإجابات
1) ب 2) ج 3) ج