تسأل برنامج محادثة عن حدث تاريخي، فيجيبك بالتفصيل.
تطلب منه رسالة إلى مديرك، فيكتبها بأسلوب مهذّب.
يسأله زميلك المبرمج عن خطأ في شيفرته، فيشرح له السبب.
ثم تسأله عن خبر حدث أمس، فيقول إنه لا يعرف.
من أين تعلّم كل هذا؟ ولماذا لا يعرف خبر الأمس؟ هذا موضوع هذا الدرس.
في هذا الدرس
قبل أن تبدأ، إليك صورة تساعدك في الدرس كله: تخيّل طالبًا قرأ مكتبة كاملة، ثم تدرّب مع معلّم على طريقة الإجابة، ثم تلقّى ملاحظات تخبره أي جوابيه أفضل.
هذا يشبه ما يمرّ به النموذج. لكن التشبيه يتوقف هنا: الطالب يفهم ويشعر ويتذكّر ما عاشه، أما النموذج فطريقته في التعلّم تختلف كثيرًا عن الفهم البشري.
من أين يتعلّم النموذج؟
يحتاج النموذج أولًا إلى كمية ضخمة جدًا من النصوص. وتجمعها الشركات من مصادر كثيرة، منها:
- صفحات الويب: مقالات ومدونات ومنتديات وصفحات تعريفية.
- الكتب: أعمال أدبية وكتب علمية ومراجع.
- الشيفرات البرمجية: أسطر من مشاريع برمجية منشورة.
- المقالات المتخصصة: صحف ومجلات وأوراق بحثية.
وبعد الجمع، تُنظَّف هذه النصوص:
- حذف المكرَّر: لأن تكرار النص نفسه كثيرًا يجعل النموذج يحفظه بعينه بدل أن يتعلّم النمط العام.
- حذف الرسائل المزعجة: مثل الإعلانات والنصوص التي لا معنى لها.
- حذف بعض المحتوى الضار: حتى لا يتعلّم منه سلوكًا سيئًا.
- إبعاد المحتوى الضعيف: لأنه يُضعف ما يتعلّمه النموذج.
لكن التنظيف ليس كاملًا. والشركات لا تعلن دائمًا كل ما استخدمته من بيانات، وهذا يثير أسئلة عن حقوق النشر وعن جودة المحتوى. والأهم: النموذج يتعلّم مما في البيانات كله، الصواب منه والخطأ. فإن كانت البيانات منحازة إلى رأي أو فئة، قد يتعلّم هذا الانحياز. وإن تكرّر فيها خطأ شائع، قد يكرّره.
سؤال سريع
لماذا لا يكفي جمع النصوص دون تنظيفها؟
أظهر الإجابة
لأن النصوص الخام فيها تكرار ومحتوى ضار وضعيف. والتنظيف يحسّن جودة ما يتعلّمه النموذج، وإن لم يكن كاملًا.
كيف يتعلّم النموذج من النص؟
هذه المرحلة اسمها التدريب المسبق (Pre-training)، وهي الأطول والأكثر كلفة.
يقرأ النموذج النص قطعة بعد قطعة. وفي كل مرة يحاول تخمين القطعة التالية، أي التوكن التالي، كما عرفتَ في درس التوكن. فإذا أخطأ، تُعدَّل أرقامه الداخلية قليلًا، وهي المعامِلات (Parameters) التي عرفتها في درس «ما النموذج؟».
تذكّر
التوكن (Token): القطعة التي يقرؤها النموذج ويكتبها، وقد تكون كلمة كاملة أو جزءًا منها.
المعامِلات (Parameters): أرقام كثيرة جدًا داخل النموذج، تُعدَّل أثناء التدريب، وفيها خلاصة كل ما تعلّمه. وتُسمّى أيضًا الأوزان (Weights).
ويتكرّر هذا عددًا هائلًا من المرات، على حواسيب قوية كثيرة تعمل معًا مدة طويلة، وبكلفة كبيرة.
والنتيجة نموذج يستطيع إكمال أي نص، لكنه غير جاهز لمساعدتك بعد. أي أنه لا يفهم أنك تطلب منه شيئًا، بل يرى كلامك بداية نص فيكمله بما يشبه ما قرأه.
مثلًا، إذا كتبت له: «ما عاصمة سلطنة عُمان؟»، فقد يكتب بعدها: «ما عاصمة قطر؟ ما عاصمة الكويت؟». لماذا؟ لأنه رأى في الويب صفحات كثيرة فيها قوائم أسئلة مثل هذه، فأكمل القائمة. وقد يجيب أحيانًا «مسقط»، لكن ليس لأنه فهم أنك تسأله، بل لأن الجواب أيضًا نص محتمل بعد السؤال.
أما المساعد الذي تستخدمه في ChatGPT أو DeepSeek، فقد تعلّم بعد ذلك أن كلامك طلب ينتظر جوابًا. وهذا ما ستعرفه في الجزء التالي.
ولاحظ أن النموذج لا يخزّن الصفحات كما تحفظ المكتبة كتبها. إنه يتعلّم الأنماط: كيف تترابط الكلمات، وكيف تُبنى الجمل، وما الذي يأتي عادة بعد ماذا.
مثلًا: قرأ النموذج آلاف الرسائل الرسمية، ولم يحفظ واحدة منها كما هي. لكنه لاحظ ما يتكرّر فيها: تبدأ بالتحية، ثم يأتي الطلب، ثم الشكر والتوقيع. لذلك حين تطلب منه رسالة رسمية، يكتب لك رسالة جديدة على هذا الشكل.
وهذا يختلف عن طريقتك أنت: فأنت تعرف لماذا تبدأ الرسالة بالتحية، ومن سيقرؤها، وماذا تريد منه. أما النموذج فقد تعلّم الشكل لأنه رآه أكثر من مرة.
سؤال سريع
لماذا قد يردّ النموذج بعد التدريب المسبق على سؤالك بسؤال آخر؟
أظهر الإجابة
لأنه تعلّم إكمال النص فقط. فقد يرى سؤالك بداية قائمة أسئلة، فيكمل القائمة بدل أن يجيب.
كيف يصبح مساعدًا يجيبك؟
بعد التدريب المسبق، يمرّ النموذج بمراحل أخرى تجعله مساعدًا:
- الضبط الدقيق (Fine-tuning): يُدرَّب على أمثلة محادثات جيدة كتبها بشر أو راجعها مختصون. كل مثال: سؤال، ثم جواب جيد. فيتعلّم شكل الجواب المفيد الواضح.
- التعلّم المعزَّز من ملاحظات البشر (RLHF): يقوم أشخاص بالمقارنة بين جوابين ويختارون الأفضل، ثم يُعدَّل النموذج ليميل إلى الأجوبة التي يفضّلها الناس. وهناك طرق أخرى مشابهة.
- تدريب السلامة: يتعلّم أن يرفض الطلبات الضارة.
هذه المراحل تمنحه أسلوبه المهذّب. لكنها أيضًا أحد أسباب موافقته الزائدة: فقد تعلّم أن الأجوبة التي ترضي الناس تُفضَّل، لذلك قد يوافقك حتى حين يكون الصواب في غير ما تقول. وهذا لا يعني أنه يقصد خداعك، بل هو ميل تعلّمه من التدريب.
ولاحظ أيضًا أن هذه المراحل تعتمد على اختيارات بشر، واختيارات البشر تختلف من شخص إلى آخر ومن شركة إلى أخرى. ولهذا يختلف أسلوب برنامج عن آخر.
سؤال سريع
لماذا قد يوافقك النموذج على رأي خاطئ؟
أظهر الإجابة
لأنه دُرِّب على تقديم الأجوبة التي يفضّلها الناس، والناس يرتاحون غالبًا لمن يوافقهم، فتعلّم أن يوافقك.
ماذا يعني هذا لك؟
ما سبق يفسّر أشياء تراها كل يوم حين تستخدم هذه البرامج:
- للنموذج تاريخ تنتهي عنده بياناته: تعلّم من نصوص تصل إلى تاريخ معيّن، ويُسمّى «تاريخ انتهاء المعرفة». فلا يعرف ما حدث بعده، إلا إذا كان البرنامج يبحث في الويب ويقرأ النتائج.
- محادثتك لا تغيّر النموذج: بعد انتهاء التدريب تبقى معامِلاته ثابتة. فحين تصحّح له معلومة، قد يأخذ بتصحيحك في المحادثة نفسها، لكن النموذج نفسه لا يتعلّمها.
- محادثاتك قد تُستخدم لتدريب نسخ لاحقة: بعض البرامج تستخدم المحادثات لتحسين نماذجها القادمة، وكثيرًا ما يمكنك إيقاف ذلك من إعدادات البرنامج، مثل ChatGPT أو DeepSeek.
- قد يخطئ بثقة: أي يكتب معلومات خاطئة بنبرة واثقة؛ لأنه تعلّم أنماط الكلام، لا قائمة حقائق مُراجَعة. فقد يكتب جوابًا يبدو صحيحًا تمامًا، لكنه غير صحيح.
فمثلًا: يطلب موظف تلخيص تقرير طويل، فيحصل على ملخص جيد فيه رقم خاطئ. ويطلب طالب مرجعًا لبحثه، فيحصل على عنوان كتاب يبدو حقيقيًا ولا وجود له. الجواب في الحالتين يشبه ما رآه النموذج كثيرًا، لكن الشبه لا يعني الصحة.
سؤال سريع
صحّحت للبرنامج معلومة اليوم. هل سيعرف التصحيح مستخدم آخر يسأله غدًا؟
أظهر الإجابة
لا. محادثتك لا تغيّر النموذج نفسه، ومعامِلاته تبقى كما هي بعد التدريب.
جرّبه الآن
في برنامج محادثة بالذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT أو DeepSeek أو Claude، الصق هذا الطلب:
ما تاريخ انتهاء معرفتك؟ وكيف دُرِّبت؟ اشرح ذلك ببساطة في خمس جمل.
ماذا تلاحظ؟ هل ذكر تاريخًا؟ وهل قال إنه يبحث في الويب؟ تذكّر أن جواب النموذج عن نفسه قد يكون خاطئًا أيضًا، فهو تعلّم من نصوص كُتب أغلبها قبل أن يوجد.
كيف تطبّق هذا؟
- إذا سألت عن خبر حديث أو سعر اليوم، فتأكّد أن البرنامج يبحث في الويب، أو ارجع إلى مصدر محدَّث.
- لا تفترض أن تصحيحك له اليوم سيبقى في محادثة جديدة أو عند غيرك.
- راجع الإعدادات في البرنامج الذي تستخدمه، لتعرف إن كانت محادثاتك تُستخدم للتدريب.
- تحقّق من الأرقام والمراجع والمعلومات المهمة من مصدر موثوق.
- لا تظن أن طول الجواب أو نبرته الواثقة يعنيان صحته.
الخلاصة
- يتعلّم النموذج من نصوص ضخمة تُجمع وتُنظَّف، ويتعلّم ما فيها من صواب وخطأ وانحياز.
- التدريب المسبق يجعله يكمل النص، ثم تجعله المراحل اللاحقة مساعدًا مهذّبًا يميل إلى إرضائك.
- بعد التدريب يبقى النموذج ثابتًا، وله تاريخ تنتهي عنده معرفته، وقد يخطئ لأنه تعلّم أنماطًا لا حقائق مُراجَعة.
وبهذا تكتمل صورة القسم الأول: معظم الذكاء الاصطناعي اليوم يتعلّم من الأمثلة، والنموذج هو نتيجة هذا التعلّم، والنموذج اللغوي يتوقّع التوكن التالي، وبرامج المحادثة واجهات تصلك بهذه النماذج، مفتوحةً كانت أو مغلقة. وكلها تمرّ بمراحل تدريب تشبه ما قرأته هنا.
اختبر نفسك
1. ما الذي يتعلّمه النموذج في التدريب المسبق؟
أ) يخزّن صفحات الويب كما هي.
ب) يتعلّم أنماط النص بتخمين التوكن التالي مرة بعد مرة.
ج) يتعلّم رفض الطلبات الضارة.
د) يحفظ محادثات المستخدمين.
2. قلت للبرنامج رأيًا خاطئًا، فوافقك بحماس. ما التفسير الأقرب؟
أ) لأنه يفهم مشاعرك.
ب) لأنه دُرِّب على الأجوبة التي يفضّلها الناس، والناس يرتاحون غالبًا لمن يوافقهم.
ج) لأنه بحث في الويب فوجد رأيك صحيحًا.
د) لأنه يتذكّر محادثاتك السابقة.
3. سألت برنامجًا لا يبحث في الويب عن حدث وقع الأسبوع الماضي، فأجاب بثقة. ماذا تفعل؟
أ) تصدّقه؛ لأنه أجاب بثقة.
ب) تعيد السؤال حتى يتغيّر الجواب.
ج) تتحقّق من مصدر محدَّث؛ لأن الحدث غالبًا بعد تاريخ انتهاء معرفته.
د) تصحّح له المعلومة ليتعلّمها النموذج للجميع.
أظهر الإجابات
1) ب 2) ب 3) ج